العيني

196

عمدة القاري

والحديث أخرجه البخاري في الأشخاص وفي الشهادات عن محمد بن سلام ، وفي الأشخاص أيضاً عن بشر بن خالد ، وفي النذور عن موسى ، وفي التفسير عن حجاج بن المنهال ، وفي الشركة عن قتيبة ، وفي النذور أيضاً عن بندار ، وفي الأحكام عن إسحاق بن نصر ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن أبي بكر وإسحاق وابن نمير ، ثلاثتهم عن وكيع وعن ابن نمير عن أبيه وعن إسحاق عن جرير بهوأخرجه أبو داود في الإيمان والنذور عن محمد بن عيس وأخرجه الترمذي في البيوع وفي التفسير عن هنا . وأخرجه النسائي في القضاء عن هناد وفي التفسير عن الهيثم بن أيوب وعن محمد بن قدامة ، ولم يذكر حديث عبد الله . وأخرجه ابن ماجة في الأحكام عن محمد بن عبد الله وعلي بن محمد ، وفي بعض الألفاظ اختلاف . ذكر معناه : قوله : ( يقتطع بها ) ، أي : باليمين أي : بسببها ، ومعنى يقتطع : يأخذ قطعة بسبب اليمين من مال امرئ . قوله : ( هو عليها فاجر ) ، أي : كاذب ، وهي جملة اسمية وقعت حالاً بلا واو ، كما في قولك : كلمته فوه إلى في . قوله : ( لقي الله تعالى ) ، يعني : يوم القيامة . قوله : ( وهو عليه غضبان ) ، جملة اسمية وقعت حالاً على الأصل . قال ابن العربي : يعني بالغضب ، إرادة عقوبة أو عقوبة نفسها ، إذ يعبر بالغضب عن الوجهين جميعاً ، وإذا لقيه وهو يريد عقابه أو قد عاقبه جاز بعد ذلك أن لا يريد عقابه وأن يدفع عنه تماديه إن كان أنزله به ، بشرط أن لا يكون متعلق إرادته عذاب واصب . وقال شيخنا : الظاهر أن المراد بغضب الله معاملته بمعاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلمه ، كما ثبت في ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ، فذكر منهم : ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم . . . ) الحديث ، وأما كون المراد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة نفسها فإنه يرده ما رواه الحاكم في ( المستدرك ) من حديث الأشعث بن قيس مرفوعاً : من حلف على يمين صبراً ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى يوم القيامة وهو مجتمع عليه غضباً ، عفا الله عنه أو عاقبه ) . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، فهذا يدل على أنه لم يرد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة ، لأنه لو أراد عقوبته لوقعت العقوبة على وفق الإرادة . ذكر اختلاف الألفاظ فيه : ففي حديث ابن مسعود والأشعث بن قيس ومعقل بن يسار : لقي الله وهو عليه غضبان ، وفي بعض طرق حديث الأشعث : لقي الله وهو أجذم ، وفي رواية عمران بن حصين والحارث بن برصاء وجابر بن عبد الله : فليتبوأ مقعده من النار ، وفي حديث أبي أمامة وجابر بن عتيك : أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . وفي حديث أبي سودة : إن ذلك يعقم الرحم ، وفي حديث سعيد بن زيد : إنه لا يبارك له فيها ، وفي حديث ثعلبة بن صد مغيرة : نكتة سوداء في قلبه ، وكذلك في حديث عبد الله بن أنيس . فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : لا منافاة بين شيء من ذلك ، فقد يجتمع له جميع ذلك كله نعوذ بالله منه وإنما يشكل منه رواية : حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، فيحمل ذلك على المستحل لذلك ، أو على تقدير : أن ذلك جزاؤه إن جازاه ، كما في قوله تعالى : * ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً ) * ( النساء : 39 ) . والله أعلم . ذكر بيان من خرج هذه الأحاديث : أما حديث ابن مسعود فقد مضى الآن . وأما حديث الأشعث بن قيس ففي حديث ابن مسعود ، وأخرجه بقية الأئمة . وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه النسائي من رواية شعبة عن عياض عن أبي خالد ، قال : رأيت رجلين يختصمان عند معقل بن يسار ، فقال معقل : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله وهو عليه غضبان ) ، وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا الإسناد . وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود من رواية محمد بن سيرين عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين مصبورة كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار ) ، وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ . وأما حديث الحارث بن برصاء فأخرجه الحاكم من رواية عبيد بن جريج عن الحارث بن برصاء ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من اقتطع مال أخيه المسلم بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار ، ليبلغ شاهدكم غائبكم ، مرتين أو ثلاثاً ) . وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق . وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة من رواية عبد الله بن نسطاس عن جابر